7/29/2013

تقرير الطب الشرعي الرسمي الصادر عن الجهات الحكومية المصرية فى ضحايا مجزرة النصب التذكاري

قال تقرير الطب الشرعي الرسمي الصادر عن الجهات الحكومية المصرية إن أكثر من سبعين مواطنًا من ضحايا مجزرة النصب التذكاري قتلوا نتيجة طلقة واحدة في الرأس أو في الصدر، وهذا يعني ببساطة شديدة أن قناصة محترفين كانوا يصطادون المتظاهرين كما العصافير من أماكن آمنة ومرتفعة تسمح لهم بدقة التصويب العالية، هذا التقرير الدامغ يعني في المحصلة المنطقية وبعيدًا عن أي سفسطة أمنية أو قضائية أن فرقة تابعة لجهة رسمية محترفة ومدربة جيدًا تعمدت قتل المتظاهرين عمدًا وبطريقة ممنهجة وعالية الاحتراف، وكان شهود العيان قد أكدوا أن قناصة اتخذوا من أسطح بعض مباني جامعة الأزهر منصة لاصطياد المتظاهرين، يذكرني ذلك بعمليات قنص المتظاهرين في أوج ثورة يناير وتحديدًا ليلة الثالث من فبراير عام 2011 في أعقاب موقعة الجمل، حيث كانت نفس هذه الفرقة تتخذ من أماكن محددة في فندق هيلتون رمسيس منصات لاصطياد المتظاهرين وخاصة أولئك الذين يؤمنون مدخل ميدان التحرير من جهة عبد المنعم رياض، وقد سقط العشرات من الضحايا يومها بطلقة واحدة إما في الرأس وإما في الصدر، والأمر نفسه حدث من قناصة كانوا يعتلون أسطح وزارة الداخلية وسط القاهرة وكان مشهد نقل الجثث من هناك إلى ميدان التحرير طبق الأصل من مشهد ما حدث في مذبحة المنصة، وأكاد أجزم أن نفس الفرقة التي ارتكبت الجريمة الأولى هي نفسها التي ارتكبت المذبحة الثانية، ونفس الأشخاص ونفس السلاح، فقط الضحايا هم الذين تغيرت أسماؤهم أو تغير لونهم السياسي، منظمة هيومان رايتس ووتش التابعة للأمم المتحدة كتبت في تقريرها الذي اعتمدت فيه على مراسليها وشهود عيان أن هذا القتل العمد تحول إلى نمط معتاد لسلوك قوات الأمن وأن المنظمة (وثقت على مدى السنوات الماضية إطلاق الرصاص الحي والخرطوش على المتظاهرين من قبل قوات الأمن المركزي بما في ذلك ثورة 25 يناير 2011 وفي أحداث محمد محمود في نوفمبر 2011 التي أودت بحياة 45 شخصًا، ومرة أخرى في بورسعيد في يناير 2013 مما أودى بحياة 46 شخصًا) وأضافت المنظمة الدولية في تقريرها (أن تاريخ الشرطة في الاستخدام المفرط للقوة المميتة أثناء المظاهرات وفشلها في تقليل الخسائر البشرية يشير إلى الحاجة الملحة لإصلاح قطاع الأمن ومساءلة الجيش والشرطة عن الانتهاكات التي يرتكبوها)، وأضاف التقرير (أن استخدام القوة المميتة على هذا النطاق بعد وقت قليل من إعلان الرئيس المؤقت الحاجة لفرض الأمن بالقوة يشير إلى وجود استعداد صادم للشرطة وبعض الساسة لتصعيد العنف ضد المتظاهرين المؤيدين لمرسي وأنه من المستحيل تقريبًا تصور أن كل هذا القتل يمكن أن يحدث بدون وجود نية للقتل أو حتى استهتار إجرامي بحياة الناس) كان هذا هو نص تقرير المنظمة الدولية، وزير الداخلية في مؤتمره الصحفي الذي بدا فيه منتشيًا بعد المذبحة ويتبادل النكات والضحك مع المحررين الحاضرين قال إن قواته كانت تطلق قنابل الغاز ثم فوجئ معاليه بأن هناك قتلى سقطوا، هو لم يقل بالضبط أنهم ماتوا من "الخضة" ولكن كلامه يشي بذلك، كما أن تأكيده أن الداخلية لم تطلق من قبل ولا الآن الرصاص على أي مواطن مصري يكفي لشرح المنطق السائد الآن في البيانات الأمنية الذي يتحول فيه القتيل إلى جاني اعتدى على القاتل وأهان مشاعره، وهو المنطق الذي اعتمدته جهات التحقيق في النهاية، سواء في مذبحة الحرس الجمهوري أو مذبحة المنصة، حيث تحول القتلى والمصابون إلى متهمين، وأصبح القتيل هو القاتل وأصبح الضحية هو الجاني، وهي حالة فضائحية بامتياز لا تحتاج إلى شرح لكي يفهم العالم من حولنا جوهر ما يحدث في مصر وسلوك مؤسستها الأمنية وجهازها القضائي. وقد لاحظت أن شعبية وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم قد زادت بالفعل بصورة كبيرة في الأحياء الشعبية في القاهرة والإسكندرية هذه الأيام، حيث اختفى البلطجية وأصحاب السوابق من تلك المناطق فجأة وتراجعت جرائمهم، وأصبح الأهالي ينعمون بالأمان والهدوء والسكينة، بعد أن تم تجميع وحشد البلطجية لمهام أكثر "نبلًا" في مظاهرات أنصار الرئيس المعزول، وهو تطور يعني أن البلطجة ستتحول في المستقبل القريب إلى "مؤسسة" حقيقية تمثل ما يشبه فرقة متطوعين تستخدمها الدولة للأعمال القذرة، وبطبيعة الحال، سيكون المقابل إطلاق يدهم بعد ذلك في مختلف أنواع الجرائم مع ضمانات كافية بالحماية من سيف القانون. أسوأ مما سبق كله ذلك التواطؤ الخطير من سياسيين وأحزاب وإعلاميين ونشطاء على تمرير تلك الجريمة، وتفهم ما يسمونه مبرراتها، والدفاع عن السلوك الوحشي الذي تمت به، هذا يعني التمهيد "لاستحلال" دم المعارضين للسلطة، وهو "تشريع" عرفي لن يفلت منه أحد بعد ذلك، واسترخاص الدم نذير شؤم على الوطن كله، بسياسييه وإعلامييه وقضاته ورجال أمنه وأحزابه وجيشه، وصناعة الأحقاد والمرارات مع ملايين المصريين قد تجعلنا نترحم بعد زمن ليس بالبعيد على وطن كنا نحلم فيه بنعمة الأمن والوحدة والسلام الاجتماعي. 

0 التعليقات: